فوزي آل سيف
309
من قضايا النهضة الحسينية : أسئلة وحوارات
دور المنبر في المجتمع الشيعي يشبه دور الخطيب في إرشاده وتعليمه وتوجيهه، دور الرسل -مع حفظ الفرق-. فدور المرسلين كان يبدأ بأمر الله سبحانه لهم (قل) و (بلغ) مختصرا ما الذي يمكن للرسول أن يصنعه بالنسبة للمجتمع الذي بعث إليه، ويبين الأنبياء عليهم السلام وظيفتهم كما في القرآن الكريم أنهم يدعون منطلقين من رؤية البصيرة التي هم عليها {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}([300]). وفي آية أخرى أنه يبلغ وينصح من موقع العلم والمعرفة الإلهية {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}([301]). وهم في ذلك لا يملكون طريقا لإجبار الخلق على الإيمان مع أن الإيمان في صالحهم وأن الجهد الذي يبذل هو من أجلهم، لكنهم لا يستطيعون شيئا، أكثر من الإقناع (بالحكمة والموعظة الحسنة) والخطاب العقلي مقرونا بشيء كثير من الشفقة والنصح والإخلاص {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ}([302]). ولأن الأمر كذلك فالتأثير ليس حتميا ولا شاملا، فقد يكون وقد لا يكون، وحيث يكون قد يؤمن به البعض ويكفر به الكثير، وليس هذا بسبب تقاعس الرسل عن الدعوة فإنهم {يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ}، ولا هو في ضعف المفاهيم والتوجيهات التي يأتي بها الأنبياء {وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ}([303]). ولهذا فقد جاءت الآيات البينات تعزي المرسلين، وتواسيهم متوقعة عدم إيمان قسم من الناس برسالاتهم، وأنهم لو صنعوا ذلك فلا يضير الرسولَ توليهم وعنادُهم، وأن الأجيال الآتية هي التي ستؤمن بالرسالة {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ}([304]). وما ذلك إلا لأن مهمة الرسل هي مهمة البلاغ المبين والبلاغ بمثابة البذرة التي قد تجد أرضا صالحة فتنتج وقد تصادف السبخة أو الصفا فلا تزرع. وحينئذ {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ}؟([305]) وفي حدود هذا المقدار نعتقد أن المنبر الحسيني قد أدى دورا طيبا في المجتمع الشيعي منذ أن تبلور كوسيلة من الوسائل التبليغية، انحصر فيها التبليغ في بعض الفترات، وبعض الأماكن. وذلك أن المجتمع الشيعي ظل لفترات طويلة في التاريخ، وفي أنحاء كثيرة من الأرض، محكوما وربما ينظر إليه بنظرة عدائية من قبل الحكومات، فكان أن فقد وسائل التأثير والخطاب العام، مثلما كان في تلك الأزمنة، (كخطب المساجد والجمعة والأعياد، بل وحتى مثل حلقات الدروس الرئيسة في المدارس الدينية وغيرها)، وكانت هذه المواقع
--> 300 ) سورة يوسف آية: 108. 301 ) سورة الأعراف آية: 62. 302 ) سورة الأعراف آية: 68. 303 ) سورة الأحقاف آية: 23. 304 ) سورة هود آية: 57. 305 ) سورة النحل آية: 35.